الخميس ,13 ديسمبر 2018 - 6:44 مساءً
الرئيسية / ثقافة وأدب / ما بـين المنابر ومنصـات التواصل الاجتمـاعي هل فقـد الشـعر بريقـه؟

ما بـين المنابر ومنصـات التواصل الاجتمـاعي هل فقـد الشـعر بريقـه؟

دمشق ـ بسام جميدة 

منذ الولادة الأولى للشعر، لم تكن القصيدة سوى صدى صوت الشاعر الذي يصل به الى قلوب وعقول مستمعيه، ولم يكن إلا عاليا يعلن عن ارتعاشة قلب، أو يدوي بحرقة روح، يعلن بتفاصيله تمزق حالة، وانتصار دولة أو انهزامها، وحتى عربدات الشعر لم تكن إلا ذات رجع قوي تهز عروش متلقيها، ذلك هو الشعر والشاعر، تجانس قوي، يظهر قوة الإحساس بالصوت والكلمة مهما كان نوعها، تبقى ديمومتها تسري في كيان مريديها. الشعر اليوم ليس مثل الأمس، لم يعد هناك سوق عكاظ، ولم تعد مجالس الأمراء ولا بلاط الملوك ولا قصور الرؤساء، ولا منازل أهل الحل والربط فسيحة إلى الحد الذي يجمع شعراء هذا الزمن للاستماع إليهم والالتقاء بهم للتلذذ بموسيقى الكلمة ومعانيها. ولم تعد المنابر كما كانت عندما يحتشد الآلاف من أجل الاستماع لغزل القباني، وشتائم النواب، وحماسة درويش، ولا لبساطة أحمد فؤاد نجم، أو لهجة عمر الفرا البدوية..
اليوم كل شيء بات مختلفا، في المراكز الثقافية لا تجد سوى بضعة أشخاص وشاعر، بينما على مواقع التواصل الاجتماعي تنتشر الكلمة، كالنار في الهشيم، بكبسة زر. أضحت مواقع التواصل الاجتماعي، بمختلف تسمياتها، منبرا لمن لا منبر له، ودار نشر لمن لا دار تنشر له، وكتاب جوال، لمن لا يملك قيمة الطباعة، بل وان هذه الوسائل منحت ملايين الفرص لشباب وشابات صغارا وكبارا، لكي يجربوا أو ينشروا مواهبهم، والمقياس هنا، «لايك» وإشارات متاحة كثيرة، تدلل على جماهيرية المنشور. ماذا أثرت هذه المواقع على ملكة الشعر، وهل أفقدته جمهوره، وهو الذي يستمد بريقه من منابر الشعر، وهل أتاحت تلك المواقع الفرصة لكل من «هب ودب» لكي يقول عن نفسه شاعرا..؟
«عمان»وضعت كل هذه الأسئلة أمام شعراء من مختلف أرجاء الوطن العربي ليجيبوا عليها، فماذا قالوا، تعالوا نتابع ومن ثم نكمل الحديث:

سلاح ذو حدين

الشاعرة والكاتبة العمانية بدرية البدري قالت: وسائل التواصل الاجتماعي سلاح ذو حدين، تُحقق انتشارا للشاعر والكاتب عموما، إنها تعرف الجمهور به، وتوصله إليه، تلغي الحدود والمسافات بينهما، وتجعل لغة التخاطب بينهما أكثر ودا وقُربا. ولكنها أيضا قد تجعله يستسهل النشر، بأبيات بسيطة غير عميقة، مما يقلل من عُمق كتاباته التي اعتادها، أو تلك التي يطمح إليها.
على الشاعر أن ينتبه، وألا يصبح النشر السهل مصيدة يقع فيها وشيئا فشيئا لا يجد لديه إلا أضغاث الكتابات أو القصائد الناقصة التي لم تكتمل، أو تلك التي نشرها في مواقع التواصل الاجتماعي ونسيها، ولا يتذكرها إلا حين يُذكِّره بها الفيس بوك مثلا، وإلا فإنها منسيّة إن وقعت في موقع كتويتر لا يهتم بذكرياتك وما تنشره إن تقادمت بها الأيام.

رؤية واقعية

الشاعر السوري الدكتور نزار بني المرجة: انظر للمسألة من وجهها الإيجابي وهي أن وسائل التواصل الاجتماعي ربما تأخذ من اسمها عنوانا، يعني التواصل أي وصول النص للمستخدم، ووصول النص بحد ذاته يعتبر شيئا جميلا، ومحببا وإيجابيا، وبالتالي يجب ان ننظر للموضوع من زاوية طبيعة النص ومستواه وماهي الأفكار والرؤية التي يقدمها، وهل هو شعر حقيقي، هل هو شعر منقول من مصدر آخر، أما الجانب السلبي فأنا أشير هنا على موضوع مصداقية النص الوارد في وسائل التواصل الاجتماعي، هناك الكثير من عمليات النقل والنسخ واللصق وهذه المسألة تفقد وسائل التواصل جانبا من مصداقيتها أحيانا، لا نستطيع أن نجزم أن الحالة عامة، ولكن هذه الحالات موجودة، الاقتباسات والنقل دون الإشارة الى المصدر، كل هذه القضايا موجودة بكثرة ولكن المتابع الجيد لا يعدم الوسيلة للتأكد من مدى وثوقية هذه الصفحة على وسائل التواصل الاجتماعي، وبالتالي يمكن أن تكون وسيلة للإيصال مع ضعف وتراجع المطبوعة، يعني المطبوعة لم تعد متاحة للجميع ولا يسهل الوصول إليها لأسباب كثيرة معروفة، وبالتالي أصبحت هذه النصوص مرتهنة شئنا أو أبينا إلى وسائل التواصل الاجتماعي لأنها وسيلة للإعلام بشكل أو بآخر.
قاطعته، ولكن الشعر يعتمد على التفاعل بين الشاعر والمتلقي من أيام سوق عكاظ وحتى المراكز الثقافية في يومنا هذا، وفي منصات التواصل هناك شيء بارد..رد قائلا: طبعا تفقد النصوص حرارتها ولكن التفاعل الرقمي في وسائل التواصل الاجتماعي ومدى التجاوب مع هذا النص أو ذاك، يمنحك دقة رقمية يعني كم شخصا كان معجبا بهذا النص وكم شخصا لم يعجبه، وقد وصلت المسألة إلى رصد مشاعر المتابعين سلبية أو إيجابية تجاه هذا النص أو ذاك، وبالتالي هذه المسألة تسجل لصالح مواقع التواصل الاجتماعي، ولكن ما أريد التأكيد عليه هو السعي في الوصول الى الموثوقية في التعاطي مع النص حتى نستطيع ان نقول إنها لعبت دورا إيجابيا بهذه المسألة، ولكن شئنا أم أبينا باتت واحدة من أهم وسائل الإعلام والتواصل بين الناس.

فرصة للمعرفة

الشاعر الفلسطيني سلطان نعيم: فلسطين مثلها مثل باقي الأقطار العربية ولادة للشعراء والشعر، وقنوات التواصل الاجتماعي مثل «تويتر وفيسبوك» أتاحت لنا فرصة كبيرة للتعرف على الآخرين من خلال الشعر والأدب والثقافة، ونشكر الله الذي أتاح لنا شتاء آخر، شتاء مكللا بنخبة من أدبائنا وشعرائنا ومثقفينا الذين كانوا وما زالوا يزينون ببصماتهم الواضحة جبين الساحة الأدبية العربية، ولولا شبكة التواصل الاجتماعي لما تعرفنا عليهم، وقد أصبحت الكلمة اقرب الى القلب، وأيضا خفّت تكاليف الطباعة، والانتشار أصبح أسرع، ولكن في نهاية المطاف على الشاعر ان يجسد كل ما كتبه على شبكات التواصل الاجتماعي في كتب مطبوعة، حيث لا بديل عن الكتاب، ولا ننكر أن هناك سرقات أدبية وفكرية لذلك فإن لم تدون كل ما كتبته على الورق، أنت في متاهة وفي مشكلة لا تحمد عقباها.
أمسيات على الفيس بوك
الشاعر السعودي حسن الزهراني: من وجهة نظري، أرى أن وسائل التواصل الاجتماعي خدمت الشعر كثيرا بل وأوصلت أصوات الشعراء وإبداعهم إلى المتلقي بصورة سريعة وتقنية عالية وإخراج جميل، وأصبح الشاعر الذي يبعث بقصائده إلى الصحف والمجلات وينتظر بالأسابيع بل والأشهر وربما ترفض لعدم جودة أو لضيق مساحة أو لمزاجية محرر، أصبح يوصل قصيدته للعشرات وربما للمئات والآلاف بضغطة زر ويجد التفاعل بنوعيه معها كبيرا.
كما أن بعض وسائل التواصل مثل «الواتس والفيس» عند تكوين مجموعات متاح فيها التواصل المباشر بإقامة أمسيات حية يكون التفاعل فيها مباشرا، وأنا ممن دعيت لإحياء أمسيات كثيرة من هذا النوع، حيث الحضور النخبوي الكبير، والتفاعل الراقي والأصداء الجميلة والحفظ لكل تفاصيل الأمسيات.
وإن كان من خلل في هذه الوسائل فهو أنها أصبحت مسرحا للغث والسمين، وليس بإمكان أحد رد ما ينشر من رديء، بل ويزداد الأمر سوءًا، عندما تجد تمجيدا فائقا لنص هزيل يثير اشمئزاز عشاق الشعر الرصين ويخدع المبدع، فيتمادى مدعي الشعر في نشر نتاجه الذي لا يستحق أن يطلق عليه شعرا أصلا.

الشعر بات قصيرا

الشاعرة الإماراتية الهنوف محمد قالت: انتشر الشعر أكثر عبر وسائل التواصل الاجتماعي وظهر الكثير من المواهب والشعراء المغمورين الذين لن نعرفهم لولا هذه الوسيلة.
السلبية الوحيدة التي حدثت بالنسبة للشعر، أن الشعر أصبح قصيرا جدا هناك بعض الشعراء يتهمون «تويتر» بأنه محدد الأحرف في نصوصه، فيجدونها عذرا لكتابة شعر سهل وقصير، ومع ذلك فقد ظهرت لدينا وعبر هذه الشبكات شعر الهايكو، والومضة الشعرية وغيرها الكثير، أي انه بدأ يتزايد وتكثر أنواعه ومدارسه، بل وينتشر بسرعة، وكل هذا لم يجعل الشعر يفقد بريقه بتاتا بل زاد أكثر، بفضل الانتشار السريع للنصوص، وردا على سؤالك حول التفاعل مع الجمهور مابين المنبر وشبكات التواصل، أقول لك أن لكليهما جمهورهما، فكما للمنابر جمهورها الذي يصفق ويتابع كل تفاصيل الشاعر ونبرات صوته، فأن في منصات التواصل أيضا تبدو المشاعر فياضة من خلال تنوع المتابعات والتعليقات، وأتاح للأصوات الجديدة أن تبرز، حتى أننا بتنا نقرأ لمواهب من الأطفال والشباب والمراهقين، وما كنا لنسمعهم لولا الشبكة العنكبوتية.

المجاملات موجودة
والواقع يفرض نفسه

الناقد والإعلامي خالد جمعة قال: لايمكن اعتبار «اللايك» وباقي الإشارات في مواقع التواصل، دليلا على جودة النص أو جماليته، فهنا في هذا الفضاء المترامي الأطراف باتت المجاملات سمة سيئة، وقد يكتب أحدهم أو إحداهن، كلمات لا ترقى لأي جنس أدبي، وتأتي آلاف الإعجابات، بينما ينشر شخص آخر ولم يتفاعل مع نصه أحد، والأسباب كثيرة.
ودعني أقول بصراحة أن المرأة في مواقع التواصل تحصد نصيب الأسد من عمليات التفاعل، بينما تكون حصة الرجل أقل، ورغم كل هذا فالنص الجيد يأخذ في أحيان كثيرة نصيبه من القراءة والتعليق والتفاعل الجيد، دون أن نغفل جانب المجاملات في الموضوع.
عهد المنابر لن ينتهي، وسيبقى له قدسيته وعراقته، ولكن لنعترف بسطوة التكنولوجيا وتأثيرها الأكبر، ولابد من مسايرة الواقع والزمن، ويبقى النص الجيد هو من يفرض نفسه بقوة أينما كان، وإن كنا نعتب على المسؤولين عن المنابر ان يعيدوا لها هيبتها، وجمهورها، حتى لاتزول كما زال المسرح، وغابت السينما.
مثالب منصات التواصل الاجتماعي كثيرة، ولكن لها إيجابيات واضحة وساهمت في بروز أسماء لامعة، مع أن الود الأكبر للشعر يكون في ذلك التماس ما بين الشاعر والمتلقي، حيث تلتهب الأكف، وتسمو الروح بالكلمة الأصيلة، ولكن كثيرا من النصوص بقيت حبيسة الحناجر، ولم تتاح لها فرصة الظهور والاستمرارية بالتداول بسبب غلاء الطباعة، لتأتي مواقع التواصل وتقلص الفارق لمصلحتها، وبات الكتاب الإلكتروني واقعا، ولابد من الاعتراف به رسميا.

رائحة الكلمة

ربما هناك من يصفق لهذا التطور التكنولوجي الذي أتاح للجميع فرصة إثبات الوجود، وفتح الميدان على مصراعيه للتنافس، بعد أن كان المنبر حكرا لذوي السطوة، والمعارف، ومن يجيد اعتلاء صهوته، وقد يكون هناك شاعر متميز ولكن ترهبه وقفة المنابر، فيلوذ بالصمت، ويموت ولا أحد يعرف عن كتاباته شيئا.
وربما هناك من يذم ويقدح مواقع التواصل الاجتماعي التي فتحت الباب على مصراعيه وساهمت بانتشار الشعر، حتى وإن كان دون رائحة الحبر، وطعم الكلمة، ورصد الإحساس المنبثق من روح الشاعر وهو يهدر بصوته الحماسي، ليلهب المسرح، وتلتهب الأكف بالتصفيق، وبالتالي قدمت لنا مئات الشعراء الذين من الممكن أن يكون الكثير منهم إضافة مهمة لديوان العرب رغم أنوف محتكريه.

  • عن صحيفة “عُمان ” العمانية

شاهد أيضاً

سوزان نجم الدين تنفي خطوبتها

نفت النجمة السورية سوزان نجم الدين خبر خطوبتها من الإعلامي اللبناني سامي كليب، وذلك بعدما …