الخميس ,21 يونيو 2018 - 12:09 صباحًا
الرئيسية / ثقافة وأدب / “البلم” للدعفيس.. رواية التعاطف الإنساني والكتابي

“البلم” للدعفيس.. رواية التعاطف الإنساني والكتابي

 

عبد الحق هقي

 

حين أنهيت قراءة رواية (البلم) كان لزامًا أن أسأل الصديق محمدالدعفيس: هل سبق وغامرت في رحلة لجوء؟، لم يكن ذلك السؤال اعتباطيًا، على الرغم من أنني كنت أكاد أجزم الإجابة بـ (لا)، فمعرفتي الحديثة بشخصه الكريم وإن كان قد سبقها تعارف عبر وسائل التواصل الاجتماعي كانت تقول ذلك، لكن شغف الصحافة الذي يسكنه وشغف التحقيقات الصحفية جعلني أشك للحظة بأنه قد فعلها وركب البحر فعلاً في مغامرة صحفية.

صحيح أنه لم يركب البحر في تلك الرحلة القاسية، ولم يذق مرارة (البلم) لكنه استطاع بمهارة أن يسبك النص بدهشة تجعلك تكاد تعايش شخوصه، وتتلمس كل اللحظات الهاربة من الموت والملل وروتين الانتظار، بل أكاد أصدق الوصف إن قلت أن دقات قلبك ستنبض مع دقات قلوبهم المسكونة بالخوف والهواجس والتوتر، ومشحونة بآلام الخذلان والضياع وقلة الحيلة، ولا تخلو من بريق أمل الحياة في تلك القلوب المتعبة المرهقة قبل الانطفاء.

بدت الرواية عبر عتبة العنوان (البلم) مجهولة تدعو إلى الاكتشاف، فهذه المفردة التي تعني قارب الصيد الصغير، أو القارب المطاطي المعد لعمليات الإنقاذ البحريتبدو مجهولة لدى شريحة واسعة من القراء، لكن الكاتب سرعان ما كشف سر التسمية ص(15)، وفي عتبة الغلاف أيضًا أستطيع القول أنه ساهم في انزياح سر دهشة لفظ (البلم) وانكشافها، ورأيِّ لو أنه لم يقم بذلك الكشف المبكر من خلال أهم عتبتين يمكن الولوج من خلالها للنص الروائي.

بل لعلني أقول أنه كان بالإمكان أن يبقي شغف القارئ المتصل بلفظ (البلم) قائمًا للصفحة الأخيرة (211): (أكثر من عام،نصعد موجة، وننحدر مع أخرى.. نهلّل لشاطئ بعيد ظننا أننا نقترب منه، ونصرخ هلعاً حين يغوص بنا البلم حتى يكاد الماء يغمرنا.)، فرغم أن ذلك الإخفاء العمدي لمعنى لفظ (البلم) قد يبدو أقرب إلى المستحيل السردي، لكنه ليس صعبًا على مثل الصديق محمد أن يحتفظ بتشويق اللفظ ومجهوليته ويُشغل القارئ بتلك الأحداث والحبكات المتتالية عن تلك الحيرة.

جاءت لغة الرواية في عمومها شاعرية، لكنها إن شئت قل (شاعرية ممتنعة)، لم تغرق في وصفية المشاهد وتفخيم المفردات، ولم تهمل في جنباتها أليات السرد وأنساقه، ما تجعلها تشد القارئ في إيقاع متفاوت بين السرعة في بعض الأحداث وبُطئها في أحداث أخرى، وهو ما يتناسب وأجواء الانتظار والقلق والتشنج المُشكل لهيكل الرواية العام، وتعبر عن التفاصيل الإنسانية الدقيقة التي يطفح بها النص بعيدًا عن أيدلوجية الموضوع وإشكالاته الواقعية.

غير أن تلك اللغة الساحرة في مجمل الرواية تسقط أحيانًا في فخ التقريرية والخطاب الأيدلوجي حصرًا عند (عمار)، ذلك البصير الشفاف واسع الثقافة والاطلاع، الذي حصره الكاتب للأسف في قولب (المحلل السياسي)،حتى بدت كثير من أحاديثه أقرب للجمل الإنشائية الصحفية، والخطب السياسية الحماسية الرنانة، وكأن المبدع محمدالدعفيس الإنسان والصحفي أراد عامدًا أن يتجنب إبداء أرائه السياسية مباشرة من خلال صوت الراوي فألبسه (عمار).

بالرغم من أن صوت الرواي يشكل العمود السردي في الرواية،ويطغى على مساحة واسعة من رواية أحداثها، ويحتك بكامل شخوصها، إلاَّ أنه لا يوحي تمامًا بأن الراوي هو بطل الرواية ضمن مجموعة من “الكومبارس”، فقد أتقن الكاتب في تأميم البطولة وتعويمها لكل شخوص الرواية، حتى غدا الرواي في أحيان كثيرة مجرد “كومبارس” في حضرة مجموعة من النجوم، غير أن ذلك لا يضعف من حضور صوت الرواي، إذْ يمكن ملاحظة ثبات وجوده وتأثيره في كامل النص.

ذلك الراوي الذي يمكن الملاحظة أيضًا أنه صوت لذاته في بداية الرواية وهو يبحث عن فرصة تقله إلى ما وراء المجهول، وفي أحداث متعددة منها وهو يطرق تلك الدروب ويجتاز العقبات، وفي خاتمتها وهو يكشف عن شخصيته بما تحوي من سمات وذكريات وأحلام، لكنه في مقاطع عديدة من الرواية أريد له أن يكون صوت الآخر، أن يحاول استقراء حديث الأبطال الآخرين في صمتهم، كما مع شخصية (ياسر) تلك الشخصية المرحة المغامرة التي كسرتها الظروف.

بدا النسق الزماني والمكاني للرواية متسلسلاً متسقًا مع تراتبية أحداثها، إلاَّ من محطات عابرة استخدم الكاتب فيها بوعي تقنية الاسترجاع الفني أو الاستحضار (الفلاش باك)، حيث وظفها التوظيف السليم كأسلوب سردي يهدف إلى الابتعاد عن الحشو والمط والتطويل من جهة، ومن جهة أخرى ليشيح ستار بعض الغموض الذي يلف شخصيات العمل في الوقت المناسب، غير أن تلك التراتبية التي بدت معقولة في أجزاء من الرواية بدت رتيبة في أجزاء أخرى منها.

حيث ربما كان على الكاتب بالإضافة إلى ذلك التوظيف الواعي لتقنية الاسترجاع (السرد الاستذكاري) خلق دهشة مضاعفة بتوظيف تقنية الاستباق (السرد الاستشرافي)، وخلق موازنة بينهما في إطار الجو العام للرواية المهيأ أصلاً لتلك التقنية،فالأحداث مشوبة بقلق الانتظار وحيرة المجهول، مُهيئًا من خلالها للقارئ مساحات واسعة من التشويق والتأويل، ورسم سيناريوهات متعددة لنهاية هذه الدوامات المتداخلة سواء ما كان منها على البحر أو اليابسة.

مثلما يمكن إطلاق وصف رواية “التعاطف الإنساني” على هذا العمل المميز، الذي يتجاوز الحالة السورية- العربية الآنية، لما تطرق له من موضوع إنساني شائك وحساس ومعاش، في أسلوب سردي ولغة شاعرية توقظ تلك المشاعر المتلبدة والمتبلدة نتيجة الإغراق الإعلامي المتعمد لأخبار الحروب، وتدعو في أحيان كثيرة إلى التعاطف والشفقة لا مع أبطال الرواية فحسب، وإنما مع الآلاف ممن دفعتهم الظروف قسرًا لمعايشة مثل تلك الظروف والأوضاع.

فإنه يمكن القول بأنها رواية “التعاطف الكتابي” أيضًا، فقد بدا الكاتب وهو يحبك روايته متعاطفًا إلى حد نرجسي مع أبطال عمله، وكأنه يريد تجنيب القارئ تلك الصدمات المتوقعة في مثل هذه المحطات المحفوفة بالمخاطر، حتى بدت كثير من نهايات العقد الفرعية أقرب إلى الرومانسية منها إلى الواقعية، ولعل أصدق مشهد عن ذلك (سميحة) وهي (تقاوم الموت المتربص) على حد وصف صوت الراوي في مشهد انزلاقها من العبارة صوب قاع الميناء، وما تلى ذلك من أحداث.

ذلك التعاطف لا يقف عند العقد الفرعية في الرواية فحسب، بل أكاد أجزم أنه يمتد إلى كامل الرواية ويعبر عنه نهايتها، فبالرغم من ذكائه في جعلها نهاية مفتوحة تحفز مخيلة المتلقي لرسم نهايات متعددة وسيناريوهات مختلفة، إلاَّ أنها تكاد تشي له بأن يكون متفائلاً ومتعاطفًا أيضا، من خلال الصور شبه الوردية التي انتهى لها مصير كل من الراوي و(نجاح)، والصور شبه الرمادية التي طبعت نهايات أبطال العمل في ذلك “الكامب” أو المستشفى القديم المسكون برائحة العفونة.

كما أن النهاية تعجلت في إسدال ستار قصة الراوي التي بدت تتكشف في الصفحات الأخيرة للرواية من خلال الاستذكار أو الاسترجاع علاقةالحب التي جمعته مع(حياة)، أو المتوقعة مع (نجاح) وكأن الكاتب تعمد وبوعي أن ينفي صفة البطولة المطلقة على الراوي وإبقائها بطولة مشاعة، وكذا السمو بعلاقة الحب فوق أن تتقولب في النمط السائد (العلاقة بين الذكر والأنثى)، وكأنه يريد القول تلميحًا لا تصريحا: تنهش الحروب ذاكرتنا حتى لا يبقى مكان للحب الفردي، وينحصر الحب في الشعور الجمعي للمكلومين والوطن.

 

 

ـ ناقد جزائري.

ـ المدير العام لمجموعة ليلاس للإعلام.

 

شاهد أيضاً

“الإمام الغجري”.. رواية جديدة لعماد البليك

صدرت عن دار أطلس للنشر بالقاهرة رواية جديدة للكاتب السوداني عماد البليك، باسم “الإمام الغجري”، …

Powered by arabiceuro.com