السبت ,27 نوفمبر 2021 - 4:50 صباحًا
الرئيسية / تقارير وتحقيقات / السوريون والانتظار المنقوع بالمرارة

السوريون والانتظار المنقوع بالمرارة

بسام جميدة:

الكل هنا يترقب، وتشخص الأبصار نحو البعيد، انتظار يتلوه انتظار، وتتلاحق الأمنيات والأفكار المشرعة للحلم، وكلما نسجت حلما لتركض خلفه، يتبدد وكأنك تجري خلف سراب، هكذا باتت حياة السوريين بعد أن استفاقوا على دوي حراك ساخن استمر بضجيجه العالي عشر سنوات ولا يزال يؤرقهم ليل نهار.

كل الأيام التي سبقت ذلك التاريخ أصبحت في خزان الذاكرة بحلوها ومرها، لا أمل بعودتها في القريب العاجل، ثمة انتظار يعيشه السوريين، وبات قدرهم الانتظار بعد أن امتطوا صهوة الصبر، جل حياتهم باتت مرهونة بهذه الكلمة التي تلازم سلوك كل فرد فيهم.

“ُعُمان” استطلعت كثير من آراء المواطنين بمختلف مشاربهم الاجتماعية والوظيفية حول ماذا ينتظر كل فرد فيهم، وماذا يعني له الانتظار، لم تخل الإجابات من القهر ولا من الطرافة، ولا من بقايا أمل لا زال عالقا على أطراف ألسنتهم، ولكن ما يزيد في حجم المعاناة بعض من إجابات مغلفة باليأس، الحي هنا يحسد الميت لأنه مات وتخلص من هذا الشقاء وألم الانتظار، أي درك وصل به الحال ذلك الرجل الستيني، وحتى ذلك الشاب المقهور، والمرأة التي خذلها الجسد وبها استفحل المرض، وذاك الباحث عن لقمة عيش لأطفاله..؟.

وبكلمة واحدة يرد أحمد محمد قائلا “أنتظر الموت” يالفجاعة الجواب، ومرارة الواقع..! ويكمل نجيب الحسن “لم أعد انتظر، فلن يأتِ أحد والمسير بات يؤلمني.. سأنام على قش الأرصفة حتى يأذن الفجر”.

وبمرارة أكبر أجاب الإعلامي المتقاعد قصي عيادة “ضاعت أحلام السوريين بركام الدمار ودفنوا آلامهم في صفحات القهر اليومي.. ماذا ينتظر السوريون سوى الألم والجوع .. ماذا ننتظر وقطار العمر شارف على الوصول إلى محطة هدر الكرامة وانسلاخ الإنسانية، ماذا ننتظر عندما يصادر الأمل، وتحاسب حتى على أحلامك وآلامك، انتظر ملاقاة الحق في حفرة بحجم الحذاء لأن الأرض قد بيعت..!” .

ومن الغربة يأتيني صوت مهاجر، بلال الخضر ليقول “أنتظر وصول قطار العمر للمحطة الأخيرة براحة البال وأداء الرسالة”.

هاجس الرحيل

من ليس له معيل او قريب في الخارج لا يستطيع أن يدبر حياته المعيشية، ولهذا يعيش الغالبية على انتظار الحوالات المالية من هناك، وفرق صرف العملات أصبح كبيرا فأي مبلغ مهما كانت قيمته يشكل واردا مناسبا لنا، هكذا تقول غادة أم خالد، ننتظر الحوالة بفارغ الصبر، ويشاطرها الرأي عشرات الأشخاص الذين لا تكفيهم رواتبهم ولا حتى العائد اليومي، ويقول أحمد شاهين كل من استطاع أن يرسل ابنه أو ابنته فقد عمل عين العقل فهم اليوم السند، ومن لم يستطع فهو يحاول الهجرة بأي طريقة ومن تخونه الدروب للسفر فقد راحت عليه الفرصة او يبحث عن قريب له يستند عليه.

الدكتور خلف العبدالله وزير سابق أجاب على سؤالي “تجهيز جواز السفر والاتكال على الله، لم يبق شيء يستحق الناس أن يبكوا عليه، معيشة مريرة، حتى سندويشة الفلافل باتت رفاهية”.

وبرغم ما يحمله قلبه وقلمه من روح الفكاهة والسخرية إلا أن الكاتب والصحفي فواز خيو لم يحتمل لحظات الانتظار والواقع فقال “كنت في فترة ما أنتظر غودو، ثم تأكدت ان غودو لن يأتي، او بالأحرى هو كذبة اخترعها صموئيل بيكت رائد مسرح العبث واللا معقول. كنت أنتظر غودو سوريا لكنه لم يأت. أصبحت سوريا العظيمة ذبيحة معلقة على الواجهة تتقاسمها عشرات السكاكين، لكن أبناءها الحقيقيين يجوعون ولا يأكلوا من لحمها. كل شي يتضاعف سعره بينما نحن نرخص. يتضاعف سعر السلعة مرارا، وفوق ذلك يأتي مسؤول مشعوذ ليقنعك إن غلاءها لصالحك. أنا الشاعر والكاتب والصحفي الذي طوال عمري اكتب عن الوطن والتشبث به، صرت انتظر فرصة سفر لأبيع بيتي وأرحل الى غير رجعة”.

وبسخرية منقوعة بالمرارة تأتي إجابات الناس مثقلة بالقهر فيقول وضاح العلي “أنتظر ما ستسفر عنه التحقيقات بشأن شراء مسؤول سابق رفيع المستوى لبيت وسط دمشق بمبلغ خرافي، يكفي لأطعام نصف سكان العاصمة لمدة خمس سنوات وأنتظر أن يتم توزيع أموال أثرياء الحرب على الفقراء وأن ينتعش الاقتصاد من جديد كي استطيع أن أتناول صحن سلطة بزيت الزيتون، هل تريد أن أكمل فقائمة الانتظار طويلة”، وأشير له هذا يكفي.

الإعلامي شوكت أبو فخر “كل حياتنا انتظار ممل وقهر، ملايين الناس تنام ضجر كمدا لا أعتقد أن شعبا يعيش الانتظار القهري سنوات وسط تجاهل أبسط مقومات الحياة”، ومعه يردد الصحفي بسام المصطفى “حياتنا باتت رهن الانتظار، إنتظار أي بارقة أمل تنقذنا من أزماتنا المعيشية.. السوري بات ينتظر خلاصاً من أزمة المواصلات.. الخبز.. تقنين الكهرباء.. خلاصاً من أزمة المحروقات.. والروتين ومحرقة آجار البيوت وينتظر بحرقة عودة سريعة لموطن التهجير.. والخلاص من حالة الفقر والتعتير. المواطن بات ينتظر الفرج في صحوه ومنامه. فكم سيطول انتظاره”.

الابتهال الى الله

الدكتور الخيام اليوسف يقول “انتظر من الله الفرج وبأن نكون في حلم ونصحو منه”، وفاء الحسن تقول “الأرض تتهيأ لأمر عظيم، ننتظر من الله الفرج والفرح والنصر وحسن الخاتمة”.

وينتظر فضل الله البريجع أن “تكون العودة بخير واللمة الكبرى مع الأهل والأحبة”، وتدعو أم وسيم ظاظا لرب السماء أن تنزاح الغيمة السوداء والوباء عن سوريا أم الفقراء والضعفاء”، وتنتظر ريم ياسر الفرج وتحقيق الأحلام وعودة الراحة المفقودة منذ سنوات” أما فريال أبو عراج فهي تنتظر الفرج وعودة اولادي الى حضني وعودة جميع احبابنا المغتربين الى حضن الوطن ولم الشمل من جديد.

ولاعب الكرة محمود حبش ينتظر من الله الفرج وأن ترجع أيام الخير والطيب والبساطة والفنان لؤي بدور وجمال اليوسف واحمد يعقوب “ننتظر أن يمن الله علينا بفرج قريب”،

عدنان برنية موظف وزاري سابق يختصر انتظاره بقوله” انتظار المفقود الذي لن يعود”.

وفي إحدى المحلات استوقفت عصام محمد صاحب الشعر واللحية البيضاء وسألته وهو شارد ماذا تنتظر “انتظر دوري بجره الغاز منذ أسبوع مقطوع من الغاز”.

وبنبرة اليائس يقول وليد الحسن “تلاشت الأحلام وليس في العمر ما يستحق العيش”، وبتشاؤم يقول معاوية الملا: “في الخمس سنوات القادمة سيبقى وضعنا كما هو منحدرا نحو الأسوأ.. لا ينتظرن سوريٌ من مستقبله القريب شيئا، فلا موارد ولا تمويل ولا مساعدات في الأفق، والوضع من سيء إلى أسوأ، لا تتهمني بنظرتي السوداوية للمستقبل، لأنها للأسف هي الحقيقة”.

محكومون بالانتظار

ليست هذه كل ما ينتظره السوريين، فهناك الكثير مما يجعلهم ينتظرون فالبطاقة الذكية التي باتت ترافقهم من اجل استلام بعض المواد المقننة فيها أصبحت جزء من الانتظار لكي تصلهم رسالة الدور التي قد تتأخر لأشهر، وكذلك الانتظار على مواقف الحافلات وافران الخبز، وفي المشافي العامة، ولا يتردد فواز العلي بالقول ننتظر قدوم الكهرباء والماء بشكل لحظي أصبحت همنا واهتمامنا، فيما تنتظر غالبية الأمهات عودة أبناءهم من الغربة، وكثير من العائلات أن يلتم شملهم مع آبائهم أو أبناءهم المتواجدين في الخارج، وأشار سالم غالى أنه ينتظر قرار التسريح من الخدمة الاحتياطية في الجيش بعد مضي ست سنوات لكي يعود لعائلته ولحياته المدنية.

لم يتوقف سيل الإجابات عل الاستبيان الذي قمت به فكثرت محطات الانتظار في حياة السوريين، يكتوون بنارها بعد أن كوتهم نار الحرب، ولسعتهم مصاعب الحياة المعيشية وباتوا متفرقين في بقاع الدنيا ينتظرون الفرج، ليخرجوا من النفق المظلم الذي يعيشون فيه ولا يعرفون متى يكون الخروج منه.

من أين أتى كل هذا الانتظار…؟

10 سنوات حرب أسفرت نزوح أكثر من نصف سكان البلاد في الداخل والخارج ذهب ضحيتها أكثر من نصف مليون بين قتيل ومفقود، ودمار في البني التحتية، وانهيار اقتصادي مريع نجم عنه خسائر تقدر بمبلغ 442.2 مليار دولار، وانهيار الليرة السورية أجبر 80% من السكان في العيش بفقر مدقع حيث لا يتجاوز دخل الفرد 1 دولار يوميا، وزاد من مرارة الواقع العقوبات الاقتصادية والأمراض الوبائية التي تفتك بالناس وقلة الدواء والعناية الصحية، والفساد المستشري الذي أفرز طبقة ثرية جدا، كما أفرزت الحرب واقع اجتماعي مضطرب، ومني الأطفال والنساء بمآس كثيرة، إضافة الى تدهور الحالة التعليمية، وأمام كل هذه الوقائع لا تزال الأرض تموج تحت أقدام السوريين الذي يدركون أن البلاد باتت شبه مجزأة بين الحكومة والمعارضة في الشمال والجنوب والشرق، وهيمنة القوى العسكرية المختلفة، وسخونة الجبهات والتدهور الاقتصادي يجعلهم يعيشون كل هذا الانتظار الذي لم أذكر سوى القليل منه.
https://www.omandaily.om/العرب-والعالم/na/السوريون-والانتظار-المنقوع-بالمرارة?fbclid=IwAR193-BBguGqte8YOKpQGWcAxdt4pKvSQSN-1RCOZAlHq_8BiiUwrTKpig0

شاهد أيضاً

لين برازي فتاة متمردة وحساسة

انضمت الممثلة السورية الشابة لين برازي إلى المسلسل الاجتماعي “عازفة الكمان”، سيناريو وحوار بسام جنيد …